الشوكاني
111
فتح القدير
( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) أي القيامة . وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها . ومعنى بغتة : فجأة ، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة . قال سيبويه : وهي مصدر في موضع الحال ، قال : ولا يجوز أن يقاس عليه ، فلا يقال جاء فلان سرعة ، و ( حتى ) غاية للتكذيب لا للخسران ، فإنه لا غاية له ( قالوا يا حسرتنا ) هذا جواب إذا جاءتهم أوقعوا النداء على الحسرة ، وليست بمنادي في الحقيقة ليدل ذلك على كسرة تحسرهم . والمعنى : يا حسرتنا احضري فهذا أوانك ، كذا قال سيبويه في هذا النداء وأمثاله كقولهم يا للعجب ويا للرجل ، وقيل هو تنبيه للناس على عظم ما يحل بهم من الحسرة ، كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بنا من الحسرة ، والحسرة : الندم الشديد ( على ما فرطنا فيها ) أي على تفريطنا في الساعة : أي في الاعتداد لها ، والاحتفال بشأنها ، والتصديق بها . ومعنى فرطنا ضيعنا . وأصله التقدم ، يقال فرط فلان : أي تقدم وسبق إلى الماء ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا فرطكم على الحوض ، ومنه الفارط : أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم ( على ما فرطنا ) أي على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها . وقال ابن جرير والطبري : إن الضمير في فرطنا فيها يرجع إلى الصفقة ، وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر ، والدنيا بالآخرة ( قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا ) في صفقتنا . وإن لم تذكر في الكلام فهو دال عليها ، لأن الخسران لا يكون إلى في صفقة ، وقيل الضمير راجع إلى الحياة : أي على ما فرطنا في حياتنا . قوله ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ) هذه الجملة حالية : أي يقولون تلك المقالة . والحال أنهم ( يحملون أوزارهم على ظهورهم ) أي ذنوبهم ، جمع وزر : يقال وزر يزر ، فهو وازر وموزور ، وأصله من الوزر . قال أبو عبيدة : يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع : احمل وزرك : أي ثقلك ، ومنه الوزير ، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية . والمعنى : أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها ، وجعلها محمولة على الظهور تمثيل ( ألا ساء ما يزرون ) أي بئس ما يحملون . قوله ( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) أي وما متاع الدنيا إلا لعب ولهو على تقدير حذف مضاف ، أو ما الدنيا من حيث هي إلا لعب ولهو . والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم ( ما هي إلا حياتنا الدنيا ) واللعب معروف ، وكذلك اللهو ، وكل ما يشغلك فقد ألهاك ، وقيل أصله الصرف عن الشئ . ورد بأن اللهو بمعنى الصرف لامه ياء ، يقال لهيت عنه ، ولام اللهو واو . يقال لهوت بكذا ( وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا : أي هي خير الذين يتقون الشرك والمعاصي ، أفلا تعقلون ذلك . قرأ ابن عامر ( ولدار الآخرة ) بلام واحدة وبالإضافة وقرأ الجمهور باللام التي للتعريف معها ، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر خير ، وقرئ تعقلون بالفوقية والتحتية . قوله ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) هذا اللام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما ناله من النعم والحزن بتكذيب الكفار له . ودخول قد للتكثير فإنها قد تأتى لإفادته كما تأتي رب والضمير في ( إنه ) للشأن ، وقرئ بفتح الياء من يحزنك وضمها ، وقرئ " يكذبونك " مشددا ومخففا ، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف . قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا ، ومعنى " يكذبونك " على التشديد : ينسبونك إلى الكذب ويردون عليك ما قلته . ومعنى المخفف : أنهم لا يجدونك كذابا ، يقال أكذبته : وجدته كذابا ، وأبخلته : وجدته بخيلا . وحكى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل : أخبرت أنه جاء بالكذب ، وكذبته : أخبرت أنه كاذب . وقال الزجاج : كذبته إذا قلت له كذبت ، وأكذبته : إذا أردت أن ما أتى به كذب . والمعنى : أن تكذيبهم ليس يرجع إليك فإنهم يعترفون لك بالصدق ، ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به ، ولهذا قال ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ لهم والإزراء عليهم ، ووصفهم بالظلم